الشوكاني

161

نيل الأوطار

فما الدليل على حل ذلك لغيرها في غير آل فلان ؟ وللشارع أن يخص من العموم ما شاء ، وقد استشكل القاضي عياض هذا الحديث ولا مقتضي لذلك ، فإن للشارع أن يخص من شاء بما شاء . وقد ورد لعن النائح والمستمعة من حديث أبي سعيد عند أحمد ، ومن حديث ابن عمر عند الطبراني والبيهقي . ومن حديث أبي هريرة عند ابن عدي ، قال الحافظ في التلخيص : وكلها ضعيفة . وأخرج مسلم من حديث أم عطية أيضا قالت : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع البيعة أن لا ننوح ، فما وفت منا امرأة إلا خمس ، فذكرت منهن أم سليم ، وأم العلاء ، وابنة أبي سبرة ، وامرأة معاذ وثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر رجلا أنه ينهي نساء جعفر عن البكاء كما في البخاري ومسلم ، والمراد بالبكاء ههنا النوح كما تقدم . وعن أنس قال : لما ثقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة : واكرب أبتاه ، فقال : ليس على أبيك كرب بعد اليوم ، فلما مات قالت : يا أبتاه أجاب ربا دعاه ، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ، فلما دفن قالت فاطمة : أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التراب رواه البخاري . وعن أنس : أن أبا بكر دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه ووضع يديه على صدغيه وقال : وا نبياه وا خليلاه وا صفياه رواه أحمد . قوله في حديث أنس الأول : واكرب أبتاه قال في الفتح : في هذا نظر ، وقد رواه مبارك بن فضالة عن ثابت بلفظ : وا كرباه . قوله : أطابت أنفسكم قال في الفتح : ولسان حال أنس لم تطب أنفسنا لكن قهرناها امتثالا لامره . وقد قال أبو سعيد : ما نفضنا أيدينا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا . ومثله عن أنس يريد أن تغيرت عما عهدنا من الألفة والصفاء والرقة لفقدان ما كان يمدهم به من التعليم . ويؤخذ من قول فاطمة الخ جواز ذكر الميت بما هو متصف به إن كان معلوما ، قال الكرماني : وليس هذا من نوح الجاهلية من الكذب ورفع الصوت وغيره ، إنما هو ندبة مباحة انتهى . وعلى فرض صدق اسم النوح في لسان الشارع على مثل هذا ، فليس في فعل فاطمة وأبي بكر دليل على جواز ذلك ، لأن فعل الصحابي لا يصلح للحجية كما تقرر في الأصول ويحمل ما وقع منهما على أنهما لم يبلغهما أحاديث النهي عن ذلك